غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

196

تاريخ مختصر الدول

سنة تسع وثمانين حكم المنجمون بطوفان يكون في الناس يقارب طوفان نوح . فأحضر الخليفة ابن عيسون المنجم فسأله . فقال : ان في طوفان نوح اجتمعت الكواكب السبعة في برج الحوت والآن فقد اجتمع ستة منها وليس فيها زحل فلو كان معها لكان مثل طوفان نوح ولكن أقول إن مدينة أو بقعة من الأرض يجتمع فيها عالم كثير من بلاد كثيرة فيغرقون . فخافوا على بغداد لكثرة من يجتمع فيها من البلاد فأحكمت المسنّيات والمواضع التي يخشى منها الانفجار . فاتفق ان الحجّاج نزلوا في وادي المناقب فأتاهم سيل عظيم فأغرق أكثرهم ونجا من تعلَّق بالجبال وذهب المال والدوابّ والأزواد . فخلع الخليفة على المنجم . وفي سنة تسعين وأربعمائة قتل ملك خراسان أرسلان ارغون بن ألب أرسلان أخو السلطان ملكشاه قتله غلام له . فقيل له : لم فعلت هذا . فقال : لا ريح الناس من ظلمه . ثم ملك بركيارق خراسان وسلمها إلى أخيه الملك سنجر . وفي سنة إحدى وتسعين جمع بردويل ملك الإفرنج [ 1 ] جمعا كثيرا وخرج إلى بلاد الشام وملك أنطاكية . وكان الإفرنج قبل هذا قد ملكوا مدينة طليطلة من بلاد الأندلس وغيرها ثم قصدوا جزيرة سقليّة فملكوها وتطرقوا إلى أطراف إفريقية فملكوا منها شيئا . فلما سمع قوام الدولة كربوقا [ 2 ] بحال الإفرنج وملكهم أنطاكية جمع العساكر وسار إلى الشام ونزل على أنطاكية وحاصرها وفيها من الملوك بردويل وسنجال وكندفري والقومص صاحب الرها وبيموند صاحب أنطاكية . وقلَّت الأقوات عندهم فأرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد فلم يعطهم وقال : لا تخرجون إلا بالسيف . وكان مع الإفرنج راهب مطاع فيهم وكان داهية من الرجال فقال لهم : ان فطروس السليح كان له عكازة ذات زجّ مدفونة بكنيسة القسيان [ 3 ] فان وجدتموها فإنكم تظفرون وإلا فالهلاك متحقق . وأمرهم بالصوم والتوبة ففعلوا ذلك ثلاثة أيام . فلما كان اليوم الرابع أدخلهم الموضع جميعهم ومعهم عامّتهم وحفروا عليها في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر . فقال لهم : أبشروا بالظفر . فقويت عزيمتهم وخرجوا اليوم الخامس من الباب متفرّقين من خمسة وستة ونحو ذلك . فقال المسلمون لكربوقا [ 2 ] : ينبغي ان تقف على الباب فتقتل كلّ من خرج . فقال : لا تفعلوا لكن أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم . فلما تكاملوا ولم يبق بأنطاكية أحد منهم ضربوا مصافّا عظيما فولَّى المسلمون منهزمون وآخر من انهزم

--> [ 1 ] - لم يكن ملك الفرنج بل من أمرائهم والذي أوهم المؤلف هو انه ملك على أورشليم . [ 2 ] - كربوقا ر كدبوقا . [ 3 ] - هي الحربة التي طعن بها جنب المسيح وكانت مدفونة في كنيسة القديس بطرس الرسول بالقرب من المذبح . وقد روى هذا الخبر ثقات من المؤرخين كريموند دي أجيل وكان ممن شهدوا المعجزة .